لله في خلقي شؤون
(اليوم العشرين من رمضان)
أفطرت البارحة بما قل ودل ، نمت في 7.30 واستيقظت في9.30 وأنا ممتهلئ بنشطا بهي ، وكما نادرا كانت قد علت وجنتي حمرة غير طبيعية ، تشبه بشكل من الأشكال حمرة وجنتي فتاة أحلامي ، ناصيتي كانت نازلة وكأنني هيئتها عند حلاق محترف ، كنت راضيا على نفسي بعد أن قطعت مسافة عشرين كيلو ركض ، وكنت متحمسا بشكل جميل لإكمال رواية 1984 لجورج أورويل ، التي قرأت نصفها في الليلة الماضية حين كان يغالبني النعاس فيها أضع ألبوم سعاد الماسي في الستيريو وأقوم أرقص معها ذات اليمين وذات الشمال إلى أن طلع الفجر ..وبعد استيقاظي من فرض الكتابة بدأت أجري كمن أصابه مس من هلع إلى أن وجدت نفسي وحيدا أمام البحر والشمس تغطس فيه والمغرب يؤذن .. كانت تجربة غير مسبوقة ، أن يؤذن المغرب عليي في أحد نهارات رمضان وانا في العراء ، وليس أمامي لأستن بسنة النبي وأعجل الفطور الا أن أشرب البحر ..
رجعت في طاكسي صغير ، وقد احتسب عليي الفاتورة مضاعفة، ولم يذقني حتى ولو ربع تمرة من الوجبة الضخمة التي سف..ونمت
كانت الرواية مذهلة ، أنصح جميع الظلمة والمستبدين بقراءتها لأن جورج أبدع في وصف أشكال جديدة للظلم والقهر والطمس وغسل الأدمغة ولو أن ظلامنا ليسو محتاجين ، لكن زيادة الخير خيرين ،وذَكر فان الذكرى تنفع ولاد الكلب كما تنفع المومنين والحمير والكل..
بعد الفجر مباشرة أخذت طاكسي للأحباس ووصلتها في أولى تباشير الصباح ، جلت بين الزقاقات الضيقة التي كنت محروما فيما مر من حياتي من التبرك بجمالها ، واستمتعت للغاية لما أشرقت عليي الشمس وأنا بكامل تركيزي، ذلك التركيز الذي كان قد شوش قبيل الشروق بلحظات لما صادفت في طريقي عشرات المتشردين نائمين بجنب بعضهم البعض ، رجال ونساء وأطفال ، وأجساد أخرى لم أستطع تصنيفها ، وكان الجميع قد اشتركوا في أغطية لقهر البرد ، تلك الأغطية التي أقسم أن القطة السوداء (التي كانت تتبع أختي وهي صغيرة في هولندا) ستعاف من البول عليها، وقد يبعثها مجرد التفكير في امكانية ذلك إلى القيء....
عشت شروقا بتفاصيله ، وكانت الشمس تصعد بحياء لتختبأ بين الحين والآخر خلف نخيلات أضفت على التجربة مذاق السحر..
لم أفق من الاشراق الا عندما طنطنت الشمس رأسي في التاسعة وسبعة دقائق حسب ساعة البنكة التي لا يوثق في شهادتها ..
ذهبت بجانب المكتبات ، وشيئا فشيئا اقتربت من واجهاتها إلى أن وضعت خدي على نافدة احداها..هربت مني دمعتين ، لست أدري لحد الان ما سببهما ، أظن وإن بعض الظن اثم، أنهما فرحة بذلك الكم الرائع من المعرفة، وربما أسى لأنني لا أملك ما يكفي لأشتري المكتبة باللي فيها .. وقد يرجح أن لا علاقة للمنظور بهما ، بل فقط كانتا نتيجة (كما دائما) قلة النوم..
قبل أن أطردهما من وجنتيي (اللتين كانتا اليوم ليلا بلون الكرز) سمعت السلام من خلف ظهري ، فكان البادئ موظف في المكتبة التي أفضل (المركز الثقافي العربي لمن يهمه الأمر) وهو طيب يتآمر معي لأحصل الروايات بأقل ثمن ممكن..
وبعد ذلك صار يحكي لي عن استغلال أرباب المكتبات المتوحش للموظفين خصوصا في موسم الدخول المدرسي، وأن كثيرا منهم (يقصد الموظفين) يخرجون من بيوتهم والأطفال نيام ويعودون بعد أن يكون أطفالهم قد ناموا ، وأن الأرباب في أوروبا أرحم وأكرم ، كنت أهز رأسي له موافقا رغم أني في داخلي كنت أكره حديثه خوفا من تكدير نقطتي سعادة ربحتهما في شروق الشمس، حاولت قلب الموضوع بأن أخبرته أنني قد ألفت روايتي الأولى وأنني أبحث عن ناشر.. سألني هل أكملتها، فأجبته أنني أراجعها وأنني لست مستعجلا على النشر..فاستحسن الأمور، لم تكد تمر الا ثلتي دقيقة حسب نفس الساعة ونحن نناقش الموضوع الجديد حتى قال أن المكتبات العربية لا تعين الشباب مثلي لأن أربابها وحوش (أو هكذا فهمت) لا يهتمون إلا لما يربحهم أكثر..قلت له مغلقا الحوار وقد بدا عليي الغضب أن شكرا..فلما أحس أن تلك النبرة لا تعجبني وأن الموضوع بعيد عليي استثنى رئاسة مكتبته وأخبرني أنهم يرسلون لمن يسمون بهيئة التحرير في لبنان وهؤلاء يحددون امكانية النشر من عدمه..
وصل صاحب المحل، وهو أنيق أظنه شامي لطالما حاولت ابتداع حوار معه لأتعرف عليه ، لكن ذلك لم يتيسر لحد الآن، وأظنه سيتيسر بعد الآن ،اذ سأبعث له بهذه الحروف، وأظنه كريم لدرجة أنه لن يتجاهل دعوتي للتعارف..
بعد وقت ليس بالقصير قرأت فيه بعض قصائد الخيام مختلسا ، قررت أن أشتري رواية مئة عام من العزلة للعبقري غابرييل غارسيا ماركيز في طبعتها الثالتة، هذه الطبعة التي انتظرت طويلا حتى ظهرت( لم أقرأ ما سبقها لأن الخط فيهما أسوأ مما تستحق عيني)..وخرجت من المكتبة بعد تحالف صغير أخذت اثره الكتب بأقل من ثمن الجملة..
ولله في خلقي شؤون..
ذهبت للجمعية ، التقيت حبيبي ابراهيم، وعانقته بكل قوتي كما اعتدنا، وفرحت لما تلفننا نوفل من فوق سطح الحرم المكي، وفجأة هربت دمعتين مني وأنا أرجوه أن يدعو لي، ظنها الشاهدون أنهما دمعتي تأثر، وان بعض الظن اثم، اذ كنت نعسان فقط ، ولم يكن الحدث ليبكيني بقدر ما يفرحني حد البهجة، وبالمناسبة أرجو منكم أن تدعو لاحدى أمهاتي (وهي الصافية أسمهان)بالعمرة السنة المقبلة، وليعوضها الله خيرا عن محمولها الذي سرق من السياف، وليقذف الشجاعة في قلوب الذكور (ولا أقول الرجال ،فهو زمن السراول كما كان يكرر جدي لأبي (قس)) لكي يحررو النساء من مافيات السرقة المدججة بالسيوف واللاأخلاق، ولليسر الله لنا التوفيق في مشروعنا الفكري الذي ناقشت أنا والزهراء حوله طويلا..
سألت عن الساعة فجاءني نبأ أنها الثالتة(والله أعلم)("والساعة لله")..قلت باباي بترقيق الباء للجميع ..وعند وصولي للرصيف وجدت مول الربيع..أقصد بائع السبنخ والكرافس والمعدنوس والعشوب الخضراء الطرية الأخرى..وهو شاب قوي البنية، الشمس أحالت وجهه للسواد بعد أن كان أبيضا ذات يوم..رجوته أن يوصلني لمحطة الحافلات فسألني عن وجهتي، أخبرته أن مبروكة، قال اركب يا عم، (أحتاج لأوصف لكم الدابة) المركوب عبارة عن تزاوج غير شرعي بين دراجة نارية وعربة خضار، طلعت في البداية على خجل وخوف ،وبعد أن أخدت كوبي أوكسجين جلست القرفصاء فوق الربيع عكس وجه السائق ،ضحكت طويلا بعدما بدأت العربة تهتز وأنا أقفز، ففكرت في حل أطرد به الفوبيا من الاصطدام في ذلك النهر الفولادي المتدفق باحدى مدرعات الهامر، لأنه اذا حدث الأمر لن يقتصر على أنني لن أكتب لكم هذه الحروف، بل لن يجدوني ولن يجدو شيئا مني، وسأكون ساهمت في درس التعرية والحث الذي أحببته ذات يوم كعامل جديد من عواملها..فرفعت كتابي وبدأت أحاول القراءة، في حضرة الريح والخبطات العنيفة على المكرمة وقلة النوم وسحاب الدخان والخوف من الاندثار في لمح البصر، لم يكن ممكن أقرأ، لكنها كانت شبه اشهار للقراءة ..
والله كانت صورة كاركاتورية روعة ،أضحكت ببهاء الراكبين وأفرحني لما كلاكسا صاحب شاحنة عليي حتى اذا انتبهت صاح : كمل أولدي..أشار لي أحدهم بعلامة باشارة جيد واخر أشار أن فيكتوار ..
تخيلو صورتي التي لو كان أحدهم يحمل كاميرا لفاز بالجائزة السنوية الفرنسية لأجمل صورة فوتوغرافية ..
اذ اللباس رسمي ومشوك راسي وملمع حذائي فوق الربيع وحامل كتاب، والهز يا وز حسب الحفر..
وصلت قبل قليل وكتبت نص طويل بدايته،أفطرت البارحة بما قل ودل..
استمتعت جدا بيومي خصوصا جزءه الأخير، وأشكر جزيل الشكر المؤلف والمخرج والديكوريست الفنان المتناهي الدقة حبيب قلبي الذي له في خلقي شؤون..
الله عز وجل..














